أحمد بن علي القلقشندي
14
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
حين ولي الحجابة بعد نكبة أصابته ، وهي بعد الصدر : وقد كانت أنفسنا معشر عبيد سيدنا وحملة إنعامه ، ومؤمّلي أيامه ، في هذه الأحوال الَّتي نفد سيدنا منها فيما ابتلاه صبره ، وأبان فيه قدره ، وزاد العارف بفضله نفوذا في البصيرة ، وأعاد ذوي الارتياب فيه إلى الثّقة ، فاستوى المنازع والمسلَّم ، واستوى العالم والمعاند - نعمة منه تعالى ذكره خصّه بها وصانه عن مشاكلة النظير ، ومزاحمة الأكفاء - على سبيل من القلق والارتماض ( 1 ) ، والسّقوط والانخفاض ، جزعا من تلك الحال الغليظة ، وإشفاقا على تلك النّفس النّفيسة ، وخوفا على معالم البرّ والتّقى ، وبقيّة العلم والحجا ، وتاريخ الكرم والنّدى ، أن يدرس منارها ، وتطمس آثارها ، ولولا ما منّ اللَّه به من الخلاص منها وما منح بكرمه في عاقبتها ، لأوشكت أن تأتي عليها وتعجلها عن مواقيت آجالها ، لكنه عظمت آلاؤه ، وتقدّست أسماؤه ، أتى بالأمن والفرج ، بعد استيلاء الكرب والوجل ، وانبتات أسباب الرّجاء والأمل ، فعرف سيدنا موقع الخيرة فيما قضاه ، وميّز له الخبيث من الطيّب ممّن عاداه وتولَّاه ، وجعل النعمة الَّتي جدّدها له فيما ردّه أمير المؤمنين إلى تدبيره من أمر داره ومملكته ، وحراسة بيضة رعيّته ، مشتركة النّفع والفائدة ، مقسومة الخير والعائدة ، بين كافّة الأمّة فيما عمّ من المعدلة ، وشمل من المصلحة ، ولاح من تباشير الخير ، وأمارات البركة ، في استقامة أمور البلاد وصلاح أحوال العباد ، وأفرد اللَّه سيدنا بحظَّ من الموهبة وفّاني فيه على حظوظ الأولياء ، وزادني على سهام الشّركاء . وأنا أرغب إلى اللَّه في إسعاد سيدنا بما جدّده له ، وتعريفه بركة مفتتحه ويمن خاتمته . والحمد للَّه في مبتداه ، والسلامة في عقباه ، وتبليغه من حظَّ مأمول ، وخير
--> ( 1 ) الارتماض : القلق : يقال : ارتمض الرجل من كذا أي اشتدّ عليه وأقلقه . لسان العرب ( رمض ) .